معجم مصطلحات الصوفية - مقدمة

1) المكتبة العربية والمتخصصون بحاجة إليه نظرا لعدم وجود كتاب يجمع كل الجهود التى بذلت فى شرح اصطلاحات الصوفية .
2) تشمل هذه المرحلة من العمل عشرة كتب تناولت اصطلاحات الصوفية وهى : 1- اللمع للطوسى . 2- الرسالة للقشيرى . 3- كشف المحجوب للهوجيرى . 4- اصطلاحات الصوفية لابن عربى . 5- عوارف المعارف للسهروردى . 6- اصطلاحات الصوفية للكاشانى . 7- اصطلاحات الصوفية فى التعريفات للجرجانى . 8- رسالة مصطلحات الصوفية لشيخ الإسلام زكريا . 9- معراج التشوف لابن عجيبة . 10- جامع أصول الأولياء للكمشخانوى .
3) وقد وضعنا فى هذه المدونة مصطلحات كل عالم منهم فى مقال مستقل ، مرتبا هجائيا حيث ورد فى أغلب مصادرهم غير مرتب ، مع بيان صفحة الورود فى الكتاب المشار إليه ، بحيث يمكن الاطلاع على كلامه وحده ، كما يمكن باستخدم خاصية (البحث) داخل المدونة عن مصطلح ما الوصول إلى كلام جميعهم عنه ، فتجتمع بذلك الخاصتان : الاطلاع على كلام كل شيخ منهم على حدة – الاطلاع على كلام جميعهم فى مصطلح ما بعينه .
4) يقتصر هذا المعجم على المصطلحات التصوف فقط ، دون أبواب التصوف من البدايات والمقامات والأحوال والنهايات والتى تشمل موضوعات التصوف عامة ، حيث فرق الأئمة كالطوسى وأبى طالب المكى والقشيرى والكلاباذى والسهروردى والكاشانى بين اصطلاحات التصوف وأبوابه .

الأحد، 11 نوفمبر، 2007

3- مصطلحات الصوفية عند الهوجيرى من خلال كتابه كشف المحجوب :

كشف المحجوب للهوجيرى([1])
كشف الحجاب العاشر
فى بيان منطقهم وحدود
ألفاظهم وحقائق معانيهم(
[2])قال الهوجيرى :
اعلم أسعدك الله أن لأهل كل صنعة وأرباب كل معاملة مع بعضهم البعض عبارات وكلمات فى جريان أسرارهم ، وكلمات لا يعرف معناها سواهم . والمراد من وضع العبارات شيئان : أحدهما لحسن تفهيم وتسهيل الغوامض ، لتكون أقرب إلى فهم المريد ، والثانى لكتمان السر عمن لا يكون أهلا لهذا العلم من الناس . والأدلة على ذلك واضحة ، فكما أن أهل اللغة مخصوصون بعبارات موضوعهم مثل : الرفع والنصب والفتح والخفض والجزم والجر والكسر والمنصرف وغير المنصرف وما شابه هذا ، وأهل العروض مخصوصون بعبارات فى موضوعهم مثل : البحور والدوائر والوتد والفاصلة والفرد والزوج وما شابه هذا ، والمحاسبين مخصوصون بعباراتهم مثل : الضرب والجذر والإضافة والتضعيف والتنصيف والجمع والتفريق وما شابه هذا ، والفقهاء مخصوصون بعباراتهم مثل : العلة والمعلول والقياس والاجتهاد والدفع والالتزام وما شابه هذا ، والمحدثين كذلك لهم عباراتهم مثل : المسند والمرسل والآحاد والمتواتر والجرح والتعديل وما شابه هذا ، والمتكلمين لهم أيضا عباراتهم المخصوصة مثل : العرض والجوهر والكل والجزء والجسم والجنس والتحيز والتولى وما شابه هذا فى طريقتهم ويظهرونها لمن يريدون ، ويخفونها عمن يريدون ، فلأبين بعض هذه الكلمات بشرح أكثر ، وأفرق بين هذه الكلمات ، وأبين ما مرادهم من كل منها ، لتتم الفائدة لك ولقراء هذا الكتاب إن شاء الله .
النوع الأول
1- الحال والوقت والفرق بينهما :
الوقت : معروف بين هذه الطائفة ، وللمشايخ فيه أقوال كثيرة ، ومرادى هو إثبات التحقيق لا تطويل البيان .
فالوقت : هو ما يكون العبد فيه فارغا من الماضى والمستقبل عندما يتصل وارد من الحق بقلبه ، ويجعل سره مجتمعا فيه ، بحيث لا يذكر فى كشفه الماضى ولا المستقبل ، فليس لكل الخلق قدرة فى هذا ، ولا يعرفون علام مرت السابقة ، وعلام ستكون العاقبة ، وأرباب الوقت يقولون : علمنا لا يستطيع إدراك العاقبة ولا السابقة ، ولنا فى الوقت سرور مع الحق ، فإذا ما انشغلنا بالغد أو خطر على قلبنا التفكير فى الأمس نحجب عن الوقت ، والحجاب تشتت ، فكل ما لا تصل إليه اليد يكون التفكير فيه محالا ، كما يقول أبو سعيد الخراز رحمه الله : لا تشغل وقتك العزيز إلا بأعز الأشياء . وأعز أشياء العبد شغله بين الماضى والمستقبل ، لقوله عليه السلام : لى مع الله وقت لا يسعنى فيه ملك مقرب ولا نبى مرسل ، ولهذا السبب فإنه حين عرضه عليه فى ليلة المعراج زينه ملك الأرض والسماء لم ينظر إلى أى شىء ، لقوله تعالى { ما زاغ البصر وما طغى } ، لأنه كان عزيزا ، ولا يشغل العزيز إلا بالعزيز . وأوقات الموحد وقتان : أحدهما فى حال الفقد ، والثانى فى حال الوجد ، واحد فى محل الوصال ، والآخر فى محل الفراق ، وفى كلا الوقتين يكون مقهورا ، لأنه فى الوصل يكون وصله بالحق ، وفى الفصل يكون فصله بالحق ، واختياره واكتسابه لا يثبت فى هذه الأثناء حتى يمكن أن يوصف ، وحين تنقطع يد اختيار العبد عن وقته يكون ما يفعله ويراه الحق .
ويرد عن الجنيد رضى الله عنه أنه قال : رأيت درويشا فى البادية جالسا تحت أشواك شجرة أم غيلان فى مكان صعب وبمشقة تامة ، فقلت : يا أخى ! ما أجلسك هنا ؟ فقال : اعلم أنه كان لى وقت ضاع هنا ، فجلست الآن أتوجع عليه . فقلت : منذ كم من السنين ؟ قال : منذ اثنتى عشرة سنة ، فليبذل الشيخ الآن همة فى الأمر ، لعلى أصل إلى مرادى ، وأستعيد وقتى . قال الجنيد : فمضيت وأديت الحج ودعوت له ، فاستجيبت الدعوة ، وبلغ مراده . فلما رجعت وجدته جالسا فى نفس المكان ، فقلت : أيها الشاب ! لقد استعدت وقتك ، فلماذا لا تتحول عن هذا المكان ؟ فقال : أيها الشيخ ! لقد كنت ألازم المكان الذى كان محل وحشتى وأضعت فيه رأس مالى ، فهل يجوز الآن أن أترك المكان الذى استعدت فيه رأس مالى ، وهو محل أنسى ؟ فليذهب الشيخ بسلام لأنى سأخلط ترابى بتراب هذا الموضع ، حتى أرفع رأسى يوم القيامة من هذا التراب الذى هو محل أنسى وسرورى . وهنا يقول المتنبى :
(شعر عربى )
وكل مكان ينبت العز طيب
فكل امرئ يولى الجميل محبب

والوقت لا يتأتى تحت كسب العبد حتى يحصل بالتكلف ، ولا يباع أيضا فى السوق ليدفع الروح ثمنا له ، ولا إرادة له فى جلبه ودفعه ، وكلا طرفيه متساويان فى رعايته ، واختيار العبد فى تحقيقه باطل . وقد قال المشايخ : " الوقت سيف قاطع " ، لأن صفة السيف القطع ، وصفة الوقت القطع ، لأن الوقت بقطع جذور المستقبل والماضى ، ويمحو عن القلب هموم الأمس والغد ، فالصحبة مع السيف خطر : " أما ملك وأما هلك " ، فإذا خدم قطع رقبة صاحبه ورقبة غيره ، لأن صفته القهر ، ولا يزول قهره باختيار صاحبه ، والله أعلم .
والحال : وارد على الوقت ، يزينه ، مثل الروح وللجسد ، والوقت لا محالة يحتاج إلى الحال ، لأن صفاء الوقت يكون بالحال ، وقيامه به ، فحين يكون صاحب الوقت صاحب حال ، ينقطع عنه التغير ، ويستقيم فى كل أيامه وقتا ، ولا يجوزعليه الزوال ، وكل ما يبدو مجيئا وذهابا فهو الكمون والظهور . وكما أن صاحب الوقت قبل هذا كان نازل الوقت ومتمكن الغفلة ، فهو الآن نازل الحال ومتمكن الوقت ، لأن الغفلة تجوز على صاحب الوقت ولا تجوز على صاحب الحال . وقد قيل " الحال سكوت اللسان فى فنون البيان " ، فلسان صاحب الحال ساكت فى بيان حاله ، ومعاملته ناطقة بتحقيق حاله ، ولهذا السبب قال أحد الشيوخ رضى الله عنه : " السؤال عن الحال محال " إذ أن العبارة عن الحال محال ، لأن الحال فناء المقال .
ويقول الإستاذ أبو على الدقاق رحمه الله : الثبور أو السرور فى الدنيا والعقبى هو الوقت الذى تكون فيه .
ثم إن الحال لا يكون كذلك لأنه وارد من الحق إلى العبد ، فإذا جاء نفى كل ذلك من القلب ، مثل يعقوب عليه السلام ، فقد كان صاحب وقت ، فكانت عيناه تبيض تارة من الفراق فى الفراق ، وتصير مبصرة تارة من الوصال فى الوصال ، وكان حينا من البكاء كالشعرة ، وحينا من الأنين كالقصبة ، وحينا من الروح كالروح ، وحينا من السرور كالسرو . وكان إبراهيم عليه السلام صاحب حال ، ولم يكن يرى الفراق ليحزن ، ولا الوصال ليسر ، وكان النجم والقمر والشمس كلها مددا لحاله ، وكان هو فارغ القلب من رؤيتها جميعا ، حتى أنه كان يرى الحق فى كل ما ينظر إليه ، ويقول : {لا أحب الآفلين} ([3]) ، فحينا يكون العالم جحيما لصاحب الوقت ، لأنه يكون غيبة فى المشاهدة ، ويكون قلبه فى افتقاد الحبيب محلا للوحشة ، وحينا يكون قلبه كالجنان بالسرور فى نعيم المشاهدة ، لأنه فى كل زمان يكون تحفة وبشارة من الحق فى الوقت .
وأيضا إذا كان الحجاب بلية لصاحب الحال ، أو الكشف نعمة له ، فإن الكل يكون لديه سواء ، لأنه يكون دائما فى محل الحال ، فالحال صفة المراد ، والوقت درجة المريد ، فواحد يكون فى راحة الوقت مع نفسه ، وواحد يكون فى فرح الحال مع الحق ، فشتان ما بين المنزلتين .
2- ومن ذلك : المقام والتمكين والفرق بينهما :
المقام : عبارة عن إقامة الطالب على أداء حقوق المطلوب بشدة اجتهاده وصحة نيته . ولكل واحد من مريدى الحق مقام كان السبب لهم فى ابتداء الطلب . ومهما يصب الطالب من كل مقام ويمر بكل منها ، فإنه يستقر فى أحدها ، لأن المقامات والإرادات من تركيب الجبلة لا المسلك والمعاملة ، كما أخبرنا الله فى قوله المقدس عز من قائل : { وما منا إلا له مقام معلوم ([4])} ، فكان مقام آدم التوبة ، ومقام نوح الزهد ، ومقام إبراهيم التسليم ، ومقام موسى الإنابة ، ومقام داود الحزن ، ومقام عيسى الرجاء ، ومقام يحيى الخوف ، ومقام محمد الذكر ، صلوات الله عليهم أجمعين .
ومهما يكن لكل واحد فى كل محل سر ، فإن رجوعهم آخر الأمر أيضا إلى مقاماتهم الأصلية .
وقد بينت فى مذهب المحاسبية طرفا من المقامات ، وفرقت بين الحال والمقام ، ولكنه لا بد من ( ذكر ) هذا هنا .
اعلم أن طريق الله على ثلاثة أقسام : الأول : المقام ، والثانى : الحال ، والثالث : التمكين ، وقد أرسل الله عز وجل جميع الأنبياء لبيان طريقه ، ليبينوا حكم المقامات . وجميع الأنبياء والرسل جاءوا بمائة وأربعة وعشرين ( ألف ) مقام ( وأكثر ) ، وبمجىء محمد عليه السلام ظهر لأهل كل مقام حال واتصل به ، بحيث ينقطع كسب الخلق عنه ، حتى تم الدين على الخلق ، وبلغت النعمة غايتها ، لقوله تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى}([5]) ، وعندئذ ظهر تمكين المتمكنين ، وإذا أردت أن أحصى الأحوال جميعا وأشرح المقامات لعجزت عن المراد .
أما التمكين : فهو عبارة عن إقامة المحققين فى محل الكمال والدرجة العليا ، فيمكن لأهل المقامات العبور من المقامات ، والعبور من درجة التمكين محال ، لأن الأول درجة المبتدئين ، والثانى مستقر المنتهين ، ويكون العبور من البداية إلى النهاية ، ولا وجه لتجاوز النهاية ، لأن المقامات منازل الطريق ، والتمكين قرار الحضرة ، وأحباء الحق يكونون فى الطريق عارية ، وفى المنازل غرباء وأسرارهم فى الحضرة ، والآلة فى الحضرة آفة ، والأدوات غيبة وعلة .
وكان الشعراء فى الجاهلية يمدحون ممدوحهم بالمعاملة ، ولم يكونوا ينظمون الشعر حتى يقطعوا المسافات الطويلة ، بحيث إنه عندما كان شاعر يصل إلى حضرة ممدوحه كان يسل سيفه ، ويعقر دابته ، ويحطم سيفه ، وكان مراده من هذا أن يقول : إن الدابة كانت تلزمنى لأقطع بها المسافة إلى حضرتك ، والسيف لأمنع به حسادى عن خدمتك ، والآن وقد وصلت ( إليك ) ، ففيم جدوى آلة المسافة ؟ قتلت الدابة لأنى لا أجيز الرجوع عنك ، وحطمت السيف حتى لا أخطر على قلبى الانقطاع عن حضرتك . وحين كانت تمر عدة أيام ، كانوا عندئذ ينشدون الشعر .
وقد أمر الحق تعالى موسى صلوات الله عليه بهذا أيضا ، إذ لما وصل إلى محل التمكين بقطع المنازل وعبور المقامات ، سقطت عنه أسباب التلوين ، وقال تعالى: {فاخلع نعليك}([6]) ، {وألق عصاك} ، لأنهما آلة المسافة ، وآلة المسافة محال فى حضرة الوصلة ، فبداية المحبة الطلب ، وانتهاؤها الاستقرار ، والماء يجرى ما دام فى النهر ، فإذا وصل إلى البحر استقر ، وإذا استقر تغير طعمه ، حتى لا يميل إليه كل من يلزمه الماء ، ويميل إلى صحبته من تلزم له الجواهر حتى يقول بترك الروح ، ويربط على رجليه مثقلة الطلب ، ويغوص فى البحر منكس الرأس ، فإما أن يحصل على الجواهر العزيزة المكنونة ، وأما أن يسلم روحه لشرك الفناء فى طلبها .
ويقول واحد من المشايخ رضى الله عنهم : "التمكين رفع التلوين " ، والتلوين أيضا من عبارات هذه الطائفة مثل الحال والمقام ، وهى قريبة من بعضها البعض فى المعنى ، ومرادهم من التلوين : التغير والتحول من حال إلى حال . والمراد من ذلك أن لا يكون المتمكن مترددا ، ويكون قد حمل متاعه جملة إلى الحضرة ، ومحا من قلبه التفكير فى الغير ، فلا تجرى عليه معاملة لتبدل حكم ظاهرة ، ولا يلزمه حال ليغير حكم باطنه مثلما كان موسى صلوات الله عليه متلونا ، فما أن نظر الحق تعالى نظرة إلى طور التجلى حتى ذهب وعيه ، كما قال الله تعالى {وخر موسى صعقا }([7]) . وكان الرسول صلى الله عليه وسلم متمكنا ، فكان من مكة حتى قاب قوسين فى عين التجلى ، ولم يتحول عن حاله ، ولم يتغير ، وهذه هى الدرجة العليا ، والله أعلم .
فالتمكن على نوعين : الأول ما تكون نسبته إلى شاهد النفس ، والآخر ما تكون إضافته إلى شاهد الحق ، فما تكون نسبته إلى شاهد النفس يكون باقى الصفة ، وما تكون حوالته إلى شاهد الحق يكون فانى الصفة . ولا يصح لفانى الصفة المحو والصحو والمحق والفناء والبقاء الموصوف مستغرقا يسقط عنه حكم إقامة الوصف . ويرد فى هذا المعنى كلام كثير ، وقد اقتصرت على هذا تركا للتطويل ، والله أعلم .

3- ومن ذلك : المحاضرة والمكاشفة والفرق بينهما :
اعلم أن المحاضرة تطلق على حضور القلب فى لطائف البيان ، والمكاشفة تطلق على تحير السر فى خطر العيان ، فالمحاضرة تكون فى شواهد الآيات ، والمكاشفة فى شواهد المشاهدات . وعلامة المحاضرة دوام التفكر فى رؤية الآية ، وعلامة المكاشفة داوم التحير فى كنه العظمة ، وهناك فرق كبير بين من يتفكر فى الأفعال ، وبين من يتحير فى الجلال ، فواحد من هذين يكون رديف الخلة ، والآخر قرين المحبة : أم رأيت أنه حين نظر الخليل صلوات الله عليه فى ملكوت السماوات ، وتأمل وتفكر فى حقيقة وجودها ، حضر قلبه بذلك ، وصار برؤيته للفعل طالبا للفاعل ، حتى إن حضوره صير الفعل دليلا للفاعل ، وقال فى كمال المعرفة : { إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض حنيفا }([8]) . وعندما حمل الحبيب إلى الملكوت غض الطرف عن رؤية الكل ، فلم ير الفعل ، ولم ير الخلق ، ولم ير نفسه ، حتى كوشف بالفاعل ، فازداد فى الكشف شوقا على شوقه ، وازداد قلقا على قلقه ، فطلب الرؤية ، فلم تبد الرؤية ، فطلب القربة ، فلم تمكن القربة ، فقصد الوصلة ، فلم تتحقق الوصلة ، وكلما ازداد حكم تنزيه الحبيب ظهورا على القلب ، ازداد شوقه إلى الحبيب ، ولم يكن هناك وجه للإعراض أو الإمكان ، فتحير ، فحيثما كانت الخلة بدت الحيرة كفرا ، وحيثما كانت المحبة صارت الوصلة شركا ، وصارت الحيرة هى الأصل ، لأن الحيرة هنالك كانت فى الوجود ، وذلك شرك ، وكانت هنا فى الكيفية ، وهذا توحيد ، ولهذا قال الشبلى رحمه الله : " يا دليل المتحيرين زدنى تحيرا " ، لأن زيادة التحير فى المشاهدة تكون زيادة فى الدرجة .
ومشهور فى الحكايات فى هذا المعنى أنه عندما كان أبو سعيد الخراز رضى الله عنه مع إبراهيم بن سعد العلوى على شاطئ البحر ، شاهدا أحد أحباء الله ، فسألاه : ما طريق الحق ، قال : الطريق إلى الحق طريقان : أحدهما طريق العامة ، والثانى طريق الخاصة . فقالا : اشرح ، فقال : طريق العوام هو الذى تسير فيه ، فتقبل لعلة ، وترد لعلة . وطريق الخواص هو أنهم يرون معلل العلة لا العلة . وقد مر شرح حقيقة هذه الحكايات ، وليس المراد غير هذا ، والله أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب .
4- ومن ذلك : القبض والبسط والفرق بينهما :
اعلم أن القبض والبسط حالتان من الأحوال التى يسقط تكلف العبد ، كما أن مجيئها لا يكون بالكسب ، ولا ذهابها بالجهد ، قوله تعالى { والله يقبض ويبسط }([9]) . فالقبض عبارة عن قبض القلوب فى حالة الحجاب ، والبسط عبارة عن بسط القلوب فى حالة الكشف ، وكلا هذين من الحق ، بغير تكلف العبد .
والقبض فى حال العارفين مثل الخوف فى حالة المريدين ، والبسط فى حال العارفين مثل الرجاء فى حال المريدين ، فى قول الطائفة التى تحمل القبض والبسط على هذا المعنى .
وفريق من المشايخ على أن رتبة القبض أرفع من رتبة البسط ، لمعنيين : أولهما : أن ذكره مقدم فى الكتاب ( أى القرآن ) ، والثانى : أن فى القبض انصهار وقهر ، وفى البسط تدليل ولطف ، وانصهار البشرية وقهر النفس أفضل لا محال من رعايتها ، لأنها الحجاب الأعظم .
وطائفة على أن رتبة البسط أرفع من رتبة القبض ، لأن تقديم ذكر القبض فى الكتاب علامة تقديم فضل المؤخر عليه ، لأنه فى عرف العرب يجعلون الشىء المؤخر فى الفضل مقدما فى الذكر ، كما قال الله تعالى : { فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله }([10]) ، وقال أيضا : { إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين }([11]) . وقوله تعالى { يا مريم اقنتى لربك واسجدى واركعى مع الراكعين }([12]) . وأيضا : فى البسط سرور ، وفى القبض ثبور ، وسرور العارفين لا يعرف إلا فى الوصول ، وثبورهم لا يكون إلا فى الفصل ، فالقرار فى محل الوصول أفضل من القرار فى محل الفراق .
وكان شيخى رحمه الله يقول : إن القبض والبسط كلاهما بمعنى واحد ، لأنهما يصلان من الحق إلى العبد ، لأنه عندما يظهر أثر ذلك المعنى على القلب فأما أن يسر به السر وتقهر به النفس ، وأما أن يقهر به السر وتسر النفس ، فواحد يكون فى قبض سره بسط نفسه ، وآخر يكون فى بسط سره قبض نفسه ، لأن التعبير عن ذلك بغير هذه العبارة يكون تضييع أنفاس ، ولذلك قال بايزيد رحمه الله : قبض القلوب فى بسط النفوس ، وبسط القلوب فى قبض النفوس " . فالنفس المقبوضة محفوظة من الخلل ، والسر المبسوط مضبوط من الزلل ، لأن الغيرة فى المحبة مذهب ، والقبض علامة غيرة الحق ، ومعاتبة الحبيب للحبيب شرط ، والبسط علامة المعاتبة .
ومعروف فى الآثار أن يحيى لم يضحك طيلة حياته ، وأن عيسى لم يبك طول عمره ، صلوات الله عليهما ، لأن أحدهما كان منقبضا ، والآخر كان منبسطا ، فلما التقيا قال يحيى : يا عيسى ! هل أمنت القطيعة . فقال عيسى : يا يحيى ! هل يئست من الرحمة ؟ فلا بكاؤك يغير الحكم الأزلى ، ولا ضحكى بغير القضاء المبرم .
فلا قبض ، ولا بسط ، ولا طمس ، ولا أنس ، ولا محو ، ولا محق ، ولا عجز ، ولا جهد إلا ما كان تقديرا وحكما سابقا ، والله أعلم .
5- ومن ذلك : الأنس والهيبة والفرق بينهما :
اعلم أسعدك الله أن الأنس والهيبة حالتان من أحوال صعاليك طريق الحق ، وذلك أنه حين يتجلى الحق تعالى على قلب العبد بشاهد الجلال يكون نصيبه فى ذلك الهيبة ، وأيضا حين يتجلى على قلب العبد بشاهد الجمال يكون نصيبه فى ذلك الأنس ، ليكون أهل الهيبة من جلاله فى تعب ، وأهل الأنس من جماله فى طرب . وفرق بين القلب الذى يحترق من جلاله فى نار المحبة ، والقلب الذى يضىء من جماله فى نور المشاهدة .
وقد قالت طائفة من المشايخ : إن الهيبة درجة العارفين ، والأنس درجة المريدين ، لأن كل من تكون قدمه فى حضرة الحق وتنزيه أوصافه أثبت ، يكون سلطان الهيبة ، على قلبه أقوى ، ويكون طبعه أكثر نفورا من الأنس ، لأن الأنس يكون مع الجنس ، ولما كانت مجانسة العبد ومشاكلته للحق مستحيلة فلا يتحقق له أنس معه ، وأنسه ( أى الله ) أيضا بالخلق محال . وإذا أمكن الأنس فإنه يكون ممكنا مع ذكره ، وذكره غيره ، لأنه صفة العبد ، والأنس مع الغير فى المحبة كذب دعوى ووهم . والهيبة أيضا فى المشاهدة عظمة ، والعظمة صفة الحق جل جلاله . وفق كبير بين عبد يكون أمره من نفسه بنفسه ، وعبد يكون أمره من فنائه ببقاء الحق .
ويحكى عن الشبلى رحمه الله أنه قال : كنت أظن مدة طويلة أننى أطرب فى محبة الحق ، وآنس بمشاهدته ، الآن أدركت أنه لا أنس للإنس إلا مع الجنس .
وقالت طائفة أيضا : إن الهيبة قرينة العذاب والفراق والعقوبة ، والأنس نتيجة الوصل والرحمة ، ليكون الأحبة محفوظين من أخوات الهيبة ، وأقرأنا للأنس ، لأن المحبة لا محالة تقتضى الأنس . وكما أن المجانسة للمحبة محال ، فإنها محال أيضا للأنس .
وكان شيخى رحمه الله يقول : إنى لأعجب ممن يقول إن الأنس مع الحق غير ممكن ، من بعد أن قال : { وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب }([13]) و { إن عبادى }([14]) و { قل لعبادى }([15]) و { يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون }([16]) . وحين يرى العبد هذا الفضل فإنه يحبه لا محالة ، وعندما يحبه يأنس به ، لأن الهيبة من الحبيب غربة ، والأنس وحدة ، وصفة الآدمى هى أنه يأنس بالمنعم ، ولنا من الحق نعم كثيرة ، ومعرفتنا به تكون محالا إذ نتحدث عن الهيبة .
وأنا على بن عثمان (المتكلم هنا المؤلف صاحب كشف المحجوب) أقول : إن كلا الطائفتين مصيبتان فى هذا ، مع اختلافهما ، لأن سلطان الهيبة يكون مع النفس وهواها ، وإفناء للبشرية . وسلطان الأنس يكون مع السر ، وتربية المعرفة فى السر ، فالحق تعالى يفنى نفوس الأحبة بتجلى الجلال ، ويبقى أسرارهم بتجلى الجمال ، فمن كانوا أهل فناء قدموا الهيبة ، ومن كانوا أرباب بقاء فضلوا الأنس ، وقد شرح هذا قبل ذلك فى باب الفناء والبقاء ، والله أعلم .
6- ومن ذلك : القهر واللطف والفرق بينهما :
اعلم أن هاتين عبارتان للصوفية يعبرون بهما عن حالهم . ومرادهم من القهر : تأييد الحق بإفناء المرادات ، ومنع النفس عن الرغبات ، من غير أن يكون لهم فى ذلك مراد . والمراد من اللطف : تأييد الحق ببقاء السر ، ودوام المشاهدة ، وقرار الحال فى درجة الاستقامة ، إلى حد أن قالت طائفة : إن الكرامة من الحق حصول المراد ، وهؤلاء أهل اللطف . وقالت طائفة : إن الكرامة هى أن الحق تعالى يرد العبد عن مراد نفسه إلى مراده ، ويقهره بغير مراده ، بحيث إذا ذهب إلى البحر فى حال الظمأ يجف البحر .
يقال : إنه كان فى بغداد درويشان من محتشمى الصوفية ، كان أحدهما صاحب قهر ، والآخر صاحب لطف ، وكانا يتجادلان دائما ، وكان كل منهما يفضل حاله على حال صاحبه ، فكان واحد يقول : إن اللطف من الحق إلى العبد أشرف الأشياء لقوله تعالى : {الله لطيف بعباده}([17]) ، وكان الآخر يقول : أن القهر من الله إلى العبد أكمل الأشياء ، لقوله تعالى : {وهو القاهر فوق عباده}([18]) ، وقد طال هذا الكلام بينهما ، إلى أن قصد صاحب اللطف مرة مكة ، فأوغل فى البادية ، ولم يصل إلى مكة ، ولم يعرف أحد عنه شيئا سنين طويلة ، حتى جاء واحد من مكة إلى بغداد فى وقت ، فرآه على قارعة الطريق ، فقال له : يا أخى ! حين تذهب إلى العراق قل لرفيقى فى الكرخ : إذا أردت أن ترى البادية مع مشقتها مثل كرخ بغداد بعجائبها ، فتعال وانظر ، فها هى البادية قد صارت بالنسبة لى مثل كرخ بغداد . فلما جاء الدرويش وطلب رفيقه ، وأدى الرسالة ، قال الرفيق : حين تعود قال له : لا شرف فى أن جعلت البادية الشاقة بالنسبة إليك مثل كرخ بغداد ، حتى لا تفر من الحضرة ، ولكن الشرف هو أن تجعل كرخ بغداد بكل ما فيها من نعم وعجائب بالنسبة لشخص مثل بادية شاقة ليكون فيها مسرورا .
ويرد على الشبلى رضى الله عنه أنه قال فى مناجاته : يا إلهى ! إذا صيرت السماء طوقا لى ، والأرض قيدا لرجلى ، وجعلت العالم كله متعطشا لدمى فإننى لا أتحول عنك ! . وقال شيخى : فى سنة من السنين اجتمع الأولياء فى البادية وأخذنى شيخى الحصرى رضى الله عنه معه إلى هناك ، فرأيت جماعة كان كل منهم مقبلا على نجيب ، وجماعة كانوا يحضرونهم على بخت ، وجماعة كانوا يطيرون . وكل من كانوا يجيئون من هذا القبيل لم يكن الحصرى يلتفت إليهم ، حتى رأيت شابا قادما بنعلين ممزقين وعصا محطمة ، وقد كلت قدماه ، ورأسه حاسر ، وجسده محترق ، فهب الحصرى وتقدم إليه ، وأجلسه فى درجة عالية ، فتعجبت ، وسألت الشيخ بعد ذلك ، فقال : إنه ولى من أولياء الله تعالى وتقدس ، غير تابع للولاية ، بل الولاية تابعة له ، ولا يلتفت إلى الكرامات .
وجملة القول فإن ما نختاره لأنفسنا هو بلاء لنا ، وأنا لا أريد غير ما يحفظنى الحق فيه من الآفة ، ويخلصنى فيه من شر نفسى ، فإذا جعلنى فى القهر لا أتمنى اللطف ، وإذا جعلنى فى اللطف لا أتمنى القهر ، فليس لى اختيار مع اختياره ، وبالله التوفيق وحسبنا الله ونعم الرفيق .
7- ومن ذلك : النفى والإثبات والفرق بينهما :
مشايخ هذه الطريقة رضى الله عنهم أسموا محو الصفة بإثبات تأييد الحق : نفيا وإثباتا ، وأرادوا بالنفى : نفى صفة البشرية ، وبالإثبات : إثبات سلطان الحقيقة ، لأن المحو ذهاب الكل ، ونفى الكل لا يقع إلا على الصفات ، لأن الفناء لا يكون على الذات فى حال بقاء البشرية ، فيجب نفى الصفات المذمومة بإثبات الخصال المحمودة : يعنى نفى الدعوى فى محبة الحق تعالى بإثبات المعنى ، لأن الدعوى من رعونات النفس . وجريا على عاداتهم فى حكم الأوصاف جعلوها مقهورة لسلطان الحق ، ويقولون : إن نفى الصفات البشرية يكون بإثبات بقاء الحق . وقد سبق الكلام فى هذا المعنى قبل ذلك فى باب الفقر والصفوة والفناء والبقاء ، وقد اقتصرت على ذلك .
ويقولون أيضا : إن المراد بهذا هو نفى اختيار العبد بإثبات اختيار الحق ، ولهذا السبب قال ذلك الموفق : " اختيار الحق لعبده مع علمه بعبده خير من اختيار عبده لنفسه مع جهله بربه ". لأن المحبة هى نفى اختيار المحب بإثبات اختيار المحبوب .
وقد وجدت فى الحكايات أن درويشا غرق فى البحر ، فقال له رجل : يا أخى ! هل تريد أن تنجو ؟ قال : لا ، قال : أتريد أن تغرق . قال : لا ، قال : إنه لأمر عجيب ، لا تختار الهلاك ، ولا تطلب النجاة ؟ فقال : ما شأنى بالاختيار حتى اختار ؟ اختيارى هو ما يختاره لى الحق .
وقال المشايخ الأخيار : إن أقل درجات المحبة نفى الاختيار ، فاختيار الحق أزلى ولا يمكن نفيه ، واختيار العبد عرضى ويجوز عليه النفى ، فيجب على العبد أن يدوس الاختيار العرضى ليدرك البقاء بالاختيار الأزلى ، مثل موسى صلوات الله عليه حينما انبسط على الجبل مع الحق تعالى فتمنى الرؤية ، وقال بإثبات اختياره ، فقال الحق { لن ترانى }([19]) ، قال : يا إلهى ! الرؤية ، حق ، وأنا مستحق ، فلم المنع ؟ فجاء الأمر : الرؤية حق ، أما الاختيار فى المحبة فباطل .
ويرد فى هذا المعنى كلام كثير ، ولكن مقصودى ليس أكثر من أن تعرف ما مقصود القوم من هذه العبارة . وقد مر من هذا كله ذكر التفرقة والجمع ، والفناء والبقاء ، والغيبة والحضور فى مذاهب المتصوفة ، حيث ذكر الصحو والسكر ، فمن له إشكال فليطلب هذه المعانى هنالك ، لأن محل بيان كل هذا هناك ، ولكن بحكم الضرورة جئت هنا بهذا القدر ، لأشرح بذلك مذهب كل منهم .
8- ومن ذلك : المسامرة والمحادثة والفرق بينهما :
وهاتان الكلمتان تعبران عن حالين من أحوال الكاملين فى طريق الحق ، وحقيقة هذا الكلام سر مقرون بسكوت اللسان ، أى : إن المحادثة وحقيقة المسامرة هما دوام الانبساط بكتمان السر . وظاهر المعنى هو أن المسامرة وقت للعبد مع الحق ليلا ، والمحادثة وقت له مع الحق نهارا ، يكون فيه السؤال والجواب ظاهريا وباطنيا ، ولهذا السبب يسمون مناجاة الليل : مسامرة ، ودعوات النهار : محادثة ، فحال النهار مبنى على الكشف ، وحال الليل مبنى على الستر . والمسامرة فى المحبة أكمل من المحادثة .
والمسامرة تتعلق بحال النبى صلى الله عليه وسلم ، فحين أراد الحق تعالى أن يكون له وقت معه ، أرسل إليه جبريل بالبراق ، حتى أوصله فى الليل من مكة إلى قاب قوسين ، وناجى الحق ، وسمع كلامه ، ولما بلغ النهاية خرس لسانه فى كشف الجلال ، وحار قلبه فى كنة العظمة ، وعجز علمه عن الإدراك ، فعجز لسانه عن العبارة ، فكان يقول : " لا أحصى ثناء عليك " .
والمحادثة تتعلق بحال موسى عليه السلام ، لأنه حين أراد أن يكون له مع الحق تعالى وقت ، جاء إلى الطور بعد أربعين يوما من الوعد والانتظار ، وسمع كلام الله تعالى ، حتى انبسط ، وطلب الرؤية ، وعجز عن المراد ، وغاب عن الوعى ، فلما عاد إلى وعيه قال : { تبت إليك }([20]) حتى ظهر الفرق بين من جىء به : قوله تعالى : { سبحان الذى أسرى بعبده ليلا }([21]) وبين من جاء : قوله تعالى : { لما جاء موسى لميقاتنا }([22]) ، فالليل وقت خلوة الأحبة ، والنهار وقت خدمة العبيد ، ولا محالة من أن العبد حين يتجاوز الحد ، لأن كل ما يفعله الحبيب لا يكون إلا مقبولا لدى الحبيب ، والله أعلم بالصواب .
9- ومن ذلك : علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين والفرق بينهما :
اعلم أن هذه فى حكم الأصول عبارات عن العلم ، والعلم بلا يقين على صحته لا يكون علما ، وإذا حصل العلم ، تكون الغيبة فيه مثل العيان ، لأن المؤمنين غدا يرون الحق تعالى على نفس الصفة التى تعرفونه بها اليوم ، سواء رأوه على خلاف هذا ، أو أن الرؤية لا تصح فى الغد ، أو أن العلم لا يصح اليوم . وهذان كلاهما طرفا الخلاف فى التوحيد ، لأن علم الخلق به صحيح اليوم ، ورؤيتهم له صحيحة فى الغد ، فعلم اليقين مثل عين اليقين ، وحق اليقين مثل علم اليقين . ومن قالوا باستغراق العلم فى الرؤية فذلك محال ، لأن الرؤية آلة لحصول العلم ، مثل السماع وما شابه هذا ، وما دام استغراق العلم فى السماع محال ، فإنه يكون أيضا محالا فى الرؤية ، فمراد هذه الطائفة بعلم اليقين هذا هو العلم بمعاملات الدنيا وأحكام الأوامر ، ومرادهم من عين اليقين هو العلم بحال النزع وقت الرحيل عن الدنيا ، ومرادهم من حق اليقين هو العلم بكشف الرؤية فى الجنة ، وكيفية أحوالها بالمعاينة ، فعلم اليقين هو درجة العلماء بحكم استقامتهم على أحكام الأمور ، وعين اليقين هو مقام العارفين بحكم استعدادهم للموت ، وحق اليقين هو فناء ؟؟؟ الأحبة بحكم أعراضهم عن كل الموجودات . فعلم اليقين بالمجاهدة ، وعين اليقين بالمؤانسة ، وحق اليقين بالمشاهدة . والأول عام ، والثانى خاص ، والثالث خاص الخاص ، والله أعلم بالصواب .
10- ومن ذلك : العلم والمعرفة والفرق بينهما :
لم يفرق علماء الأصول بين العلم والمعرفة ، وقالوا : إن كلاهما سواء ، غير أنهم قالوا : يجوز أن يقال للحق تعالى عالما ، ولا يجوز أن يقال عارفا ، لعدم التوافق . أما مشايخ هذه الطريقة رضى الله عنهم فهم يسمون العلم المقرون بالمعاملة والحال – وهو العلم الذى يعبر عن أحوالهم – بالمعرفة ، ويسمون العالم به عارفا . ويسمون العلم المجرد من المعنى والخالى من المعاملة علما ، ويسمون العالم به عالما ، فمن يكن عالما بالعبارات المجردة ، وحفظها بدون حفظ المعنى ، يسموه عالما ، ومن يكن عالما بمعنى الشىء وحقيقته يسمونه عارفا ، ولذلك فإن هذه الطائفة حين يريدون الاستخفاف بأقرانهم يسمونهم علماء ، وهذا يبدو للعوام منكرا ، وليس مرادهم ذمهم بحصول العلم ، بل مرادهم ذمهم بترك المعاملة ، لأن العالم قائم بنفسه ، والعارف قائم بربه . وقد مر الحديث فى هذا فى كشف حجاب المعرفة ، ويكفى هنا هذا القدر ، والله أعلم .
11- ومن ذلك : الشريعة والحقيقة والفرق بينهما :
هاتان عبارتان لهؤلاء القوم يعبرون بإحداهما عن صحة حال الظاهر ، وبالثانية عن إقامة حال الباطن , وقد أخطأ فريقان فى هذا المعنى : أحدهما علماء الظاهر الذين يقولون : إننا لا نفرق بينهما ، لأن الشريعة هى الحقيقة ، والحقيقة هى الشريعة ، والثانى : فريق الملاحدة الذين لا يجيزون قيام كل واحدة منهما مع الأخرى ، ويقولون : إنه إذا انكشفت الحقيقة ارتفعت الشريعة ، وهذا قول القرامطة والشيعة وموسوسيهم . والدليل على أن الشريعة منفصلة عن الحقيقة فى الحكم هو أن التصديق فى الإيمان منفصل عن القول .
والدليل على أنهما غير منفصلتين فى الأصل أن التصديق بدون القول لا يكون إيمانا ، والقول بدون التصديق لا يكون إيمانا . والفرق ظاهر بين القول والتصديق ، فالحقيقة عبارة عن المعنى الذى لا يجوز عليه النسخ ، وحكمه متساو منذ عهد آدم حتى فناء العالم : مثل معرفة الحق ، وصحة معاملة النفس بخلوص النية . والشريعة عبارة عن المعنى الذى يجوز عليه النسخ والتبديل ، مثل أحكام الأوامر ، فالشريعة هى فعل للعبد ، والحقيقة هى حفظ الله وعصمته جل جلاله للعبد .
فإقامة الشريعة بدون وجود الحقيقة محال ، وإقامة الحقيقة بدون حفظ الشريعة محال ، ومثلهما كمثل شخص حى بالروح ، فعندما تنفصل عنه الروح يصير جيفة ، وتصير الروح ريحا ، فقيمتهما فى اقترانهما ببعضهما البعض . وكذلك الشريعة تكون بدون الحقيقة رياء ، وتكون الحقيقة بدون الشريعة نفاقا ، قوله تعالى : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا }([23]) ، فالمجاهدة شريعة ، والهداية حقيقة ، والأولى هى حفظ العبد لأحكام الظاهر على نفسه ، والثانية هى حفظ الحق لأحوال الباطن عن العبد . والشريعة من المكاسب ، والحقيقة من المواهب ، وإذا صار هذا مسلما ، فإنه يوجد فرق كبير بينهما ، والله أعلم .

[النوع الثانى]
والنوع الآخر من هذه الحدود هو العبارات التى تقبل الاستعارة فى كلامهم ويصير حكمها بالتفصيل والشرح أصعب ، وسأبين هذا النوع على سبيل الاختصار إن شاء الله تعالى .
1) الحق : مرادهم من الحق : " الله " ، لأن هذا اسم من أسماء الله ، لقوله تعالى : { ذلك بأن الله هو الحق }([24]) .
2) الحقيقة : مرادهم بهذا اللفظ : إقامة العبد فى محل وصل الله ، ووقوف سره على محل التنزيه .
3) الخطرات : ما يخطر على القلب من أحكام الطريقة .
4) الوطنات : ما يتوطن فى السر من المعانى الإلهية .
5) الطمس : نفى العين بحيث لا يبقى منها أثر .
6) الرمس : نفى العين مع الأثر من القلب .
7) العلائق : الأسباب التى يتعلق بها الطالبون ويتخلفون عن المراد .
8) الوسائط : الأسباب التى يصلون بالتعلق بها إلى المراد .
9) الزوائد : زيادة الأنوار بالقلب .
10) الفوائد : إدراك سر لا بد منه .
11) الملجأ : اعتماد القلب بحصول مراده .
12) المنجى : خلاص القلب من محل الآفة .
13) الكلية : استغراق الأوصاف الآدمية بالكلية .
14) اللوائح : إثبات المراد مع سرعة نفيه .
15) اللوامع : إظهار النور على القلب مع بقاء فوائده .
16) الطوالع : طلوع أنوار المعارف على القلب .
17) الطوارق : وارد إلى القلب بالبشارة ، أو الزجر فى مناجاة الليل .
18) اللطيفة : إشارة إلى القلب عن دقائق الحال .
19) السر : إخفاء حال المحبة .
20) النجوى : إخفاء الآفات عن اطلاع الغير .
21) الإشارة : إخبار الغير عن المراد بغير عبارة اللسان .
22) الإيماء : تعريض الخطاب بدون إشارة وعبارة .
23) الوارد : حلول المعانى بالقلب .
24) الانتباه : زوال الغفلة عن القلب .
25) الاشتباه : إشكال الحال فى طرفى حكم الحق والباطل .
26) القرار : زوال التردد عن حقيقة الحال .
27) الانزعاج : تحرك القلب فى حال الوجد .
هذا هو معنى بعض ألفاظهم على سبيل الاختصار ، وبالله العون والعصمة .
[النوع الثالث]
نوع آخر من حدود هذه الألفاظ التى يستعملونها فى توحيد الله تعالى ، ويستعملونها فى بيان اعتقادهم فى الحقائق بدون استعارة ، ومنها :
28) العالم : والعالم عبارة عن مخلوقات الله . ويقولون : ثمانية عشر ألف عالم ، وخمسون ألف عالم . والفلاسفة يقولون أنه عالمان : علوى ، وسفلى . وعلماء الأصول يقولون : كل ما هو موجود من العرش إلى الثرى : عالم . وفى الجملة : العالم هو اجتماع المختلفات . وأهل هذه الطريقة أيضا يقولون : عالم الأرواح ، وعالم النفوس ، ومرادهم غير مراد الفلاسفة ، لأن مرادهم اجتماع الأرواح والنفوس .
29) المحدث : المتأخر فى الوجود ، أى الذى لم يكن ، وكان بعد ذلك .
30) القديم : السابق فى الوجود ، وهو دائم ، وكان وجوده سابقا على كل الموجودات ، وذا لا يكون إلا الله تعالى .
31) الأزل : ما ليس له أول .
32) الأبد : ما ليس له آخر .
33) الذات : وجود الشىء وحقيقته .
34) الصفة : ما لا يقبل النعت لأنه غير قائم بذاته .
35) الاسم : غير المسمى .
36) التسمية : خبر عن المسمى .
37) النفى : ما يقتضى عدم المنفى .
38) الإثبات : ما يقتضى وجود المثبت .
39) الشيئان : ما يجوز وجود أحدهما بالآخر .
40) الضدان : ما لا يجوز وجود أحدهما مع بقاء وجود الآخر فى حال واحد .
41) الغيران : ما يجوز وجود كل واحد منهما بدون الآخر .
42) الجوهر : أصل الشىء القائم بنفسه .
43) العرض : ما يقوم بالجوهر .
44) الجسم : ما يكون مؤلفا من أجزاء متناثرة .
45) السؤال : طلب الحقيقة .
46) الجواب : الإخبار عن مضمون السؤال .
47) الحسن : ما يوافق الأمر .
48) القبيح : ما يخالف الأمر .
49) السفه : ترك الأمر .
50) الظلم : وضع الشىء فى غير موضعه ، وفيما لا يناسبه .
51) العدل : وضع كل شىء فى مكانه .
52) الملك : هو من لا يمكن الاعتراض عليه فيما يفعل .
هذه هى حدود الألفاظ التى لا بد للطالبين من معرفتها ، على سبيل الاختصار ، وبالله العون والتوفيق ، وحسبنا الله ونعم الرفيق .
[النوع الرابع]
ونوع آخر ، وهو العبارات التى تحتاج إلى شرح ، ومتداولة بين المتصوفة ، وليس مقصودهم بها ما هو معلوم لأهل اللسان من ظاهر اللفظ .
53) الخاطر : يريدون بالخاطر الأول فى الأمور ، لأنه يكون من الحق تعالى وتقدم إلى العبد بدون علة . ويقال إنه بدا لخير النساج خاطر أن الجنيد ببابه ، فدفع هذا الخاطر عنه ، فجاء خاطر آخر لمدده ، فانشغل بدفعه أيضا ، فجاء خاطر ثالث ، فخرج ، ورأى الجنيد رضى الله عنه واقفا بالباب ، فقال له : يا خير ‍ لو أنك اتبعت الخاطر الأول ، وأديت سنة المشايخ ، لما لزمنى أن أقف كثيرا بالباب . وقد قال المشايخ : إذا كان ذلك هو الخاطر الذى خطر لخير ، فما ذلك الإشراف الذى كان للجنيد . قيل : الجنيد كان شيخا لخير ، ولا محالة أن يكون الشيخ مشرفا على كل أحوال مريده .
54) الواقع : يريدون بالواقع : المعنى الذى يظهر فى القلب ويبقى ، وذلك على خلاف الخاطر ، ولا يكون للطالب بأى حال آلة لدفعه ، مثلما يقولون : خطر على قلبى ، ووقع فى قلبى ، فالقلوب كلها محل الخواطر . أما الواقع فلا يكون إلا على القلب الذى يكون حشوه كل حديث المحق . ومن ذلك أنه حين يظهر للمريد قيد فى طريق الحق يقال له قيد ، ويقولون : وقعت له واقعة . وأهل اللسان يريدون بالواقع : الإشكال فى المسائل ، وحين يجيب أحد عليه ويرتفع الإشكال يقولون : انحلت الواقعة ، أما أهل التحقيق فيقولون : إن الواقع هو ما لا يجوز عليه الحل ، وما ينحل يكون خاطرا لا واقعا ، لأن قيد أهل التحقيق لا يكون فى شىء حقير يتغير حكمه فى كل وقت ويتحول عن حاله .
55) الاختيار : يريدون بالاختيار : أن يختاروا اختيار الحق على اختيارهم ، أى أنهم يرضون بما يختاره الحق لهم من الخير والشر ، واختيار العبد لاختيار الحق تعالى يكون أيضا باختيار الحق ، [أنه لو لم يختره الحق تعالى بلا اختيار لما ترك اختياره . وسئل أبو يزيد رضى الله عنه : من هو الأمير ؟ فقال : من لم يبق له اختيار ، وصار اختيار الحق له اختيارا . ويرد عن الجنيد رضى الله عنه أنه أصابته الحمى مرة ، فقال : يا إلهى ‍ عافنى ، فنودى فى سره : من أنت حتى تتكلم فى ملكى وتختار ، وأنا أعرف تدبير ملكى أحسن منك ، فاختر اختيارى ولا تظهر نفسك باختيارك ، والله أعلم .
56) الامتحان : يريدون بالامتحان : امتحان قلوب الأولياء بأنواع البلايا التى تأتى من الحق تعالى ، من خوف وحزن وقبض وهيبة وأمثال ذلك ، لقوله تعالى : { أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ، لهم مغفرة وأجر عظيم ([25])} ، وفى هذا درجة عظيمة .
57) البلاء : ويريدون بالبلاء امتحان أجساد الأحبة بأنواع المشقات والأمراض والآلام ، لأنه كلما كان البلاء أكثر قوة على العبد فإنه يكون أكثر قربا للحق ، لأن البلاء لباس الأولياء ، ومهد الأصفياء ، وغذاء الأنبياء صلوات الله عليهم : ألم تر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ((أشد البلايا للأنبياء ثم الأولياء ، ثم الأمثل فالأمثل ، نحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء )) . وجملة القول فإن البلاء اسم للألم الذى ينهمر على القلب المؤمن وجسده وتكون حقيقته النعمة ، وبحكم أن سره يكون خافيا على العبد فإنه يثاب عليه باحتماله آلامه . ثم إن ما يصيب الكافرين لا يكون بلاء بل يكون شقاء ، ولا يكون للكافرين من الشقاء شفاء أبدا . فمرتبة البلاء أعظم من مرتبة الامتحان ، لأن تأثير الامتحان يكون على القلب ، أما تأثير البلاء فيكون على القلب والجسد ، والله أعلم .
58) التحلى : التحلى هو الانتساب إلى قوم محمودين فى القول والعمل ، وقوله عليه السلام : " ليس الإيمان بالتحلى والتمنى ولكن ما وقر فى القلب وصدقه العمل " ، فشبهك بقوم بدون حقيقة معاملتهم هو التحلى . وأولئك الذين يتظاهرون ولا يكونون كذلك ، سرعان ما يفتضحون ويذيع سرهم ، ومهما يكونوا عند أهل التحقيق ، فإنهم هم أنفسهم فضيحة ، وسرهم مكشوف .
59) التجلى : هو تأثير أنوار الحق بحكم الإقبال على قلوب المقبلين الجديرين بأن يروا الحق بقلوبهم . والفرق بين هذه الرؤية ورؤية العيان هى أن المتجلى إذا أراد يرى ، وإذا أراد لا يرى ، أو يرى وقتا ولا يرى وقتا آخر . أما أهل العيان فى الجنة فإنهم إذا أرادوا ألا يروا فإنهم لا يستطيعون ألا يروا ، لأن الستر يجوز على التجلى ، ولا يجوز الحجاب على الرؤية ، والله أعلم .
60) التخلى : هو الإعراض عن الأشغال المانعة للعبد عن الله : وأولها مشاغل الدنيا ، بحيث يخلى يده منها بحكم تشريف العناية . وثانيها : أن يقطع عن قلبه إرادة العقبى . وثالثها : أن يحلى السر من متابعة الهوى . ورابعها : أن يعرض عن صحبة الخلق ، ويخلى القلب من التفكير فيهم .
61) الشرود : معنى الشرود هو طلب الحق بالخلاص من الآفات والحجب وعدم الاستقرار فيها ، لأن جميع بلايا الطالب تقع من الحجاب . وهم يسمون حيل الطلاب لكشف الحجاب ، وأسفارهم ، وتعلقهم بكل شىء شرودا . وكل من يكون أكثر قلقا فى بداية الطلب ، يكون أكثر وصولا وتمكنا فى انتهائه .
62) القصود : مرادهم من القصود صحة العزيمة على طلب حقيقة المقصود . وقصد هذه الطائفة غير منعقد فى الحركة والسكون ، لأن الحبيب وإن يكن ساكنا فى المحبة فإنه يكون قاصدا ، وهذا مخالف للمعتاد ، لأن قصد القاصدين إما أن يكون منه تأثير على ظاهرهم ، أو يكون منه دليل على باطنهم ، لأن الأحبة يكونون قاصدين بغير علة طلبهم وحركاتهم ، وتكون كل صفاتهم قصد الحبيب .
63) الاصطناع : يريدون بهذا الكلمة أن يهذب الله تعالى العبد بفناء جميع الأنصبة عنه ، وزوال جميع الحظوظ ، ويبدل فيه أوصافه النفسانية حتى يفنى عن نفسه بزوال النعوت وتبديل الأوصاف . والمخصوصون بهذه الدرجة هم الأنبياء عليهم السلام دون الأولياء . وجماعة من المشايخ غيرهم يجيزون هذه الصفة على الأولياء أيضا .
64) الاصطفاء : الاصطفاء هو أن يفرغ الحق تعالى قلب العبد لمعرفته ، حتى تنشر معرفته صفاءها فيه . وجميع المؤمنين الخاص منهم والعام سيان فى هذه الدرجة : من عاص ومطيع ، وولى ، ونبى ، لقوله تعالى { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا منهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات }([26]) . وقالت طائفة : إن الرين هو ما لا يمكن زواله بأى صفة ، لأن قلب الكافر لا يتقبل الإسلام ، ومن يسلمون منهم كانوا مؤمنين فى علم الله عز وجل .
65) الرين : الرين حجاب على القلب لا يكون كشفه إلا بالإيمان . وهو حجاب الكفر والضلالة لقوله تعالى { كل بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون }([27]) . وقالت طائفة : إن الرين هو ما لا يمكن زواله بأى صفة ، لأن قلب الكافر لا يتقبل الإسلام ، ومن يسلمون منهم كانوا مؤمنين فى علم الله عز وجل .
66) الغين : الغين حجاب على القلب يرتفع بالاستغفار ، وهو على نوعين : واحد خفيف ، وواحد غليظ . والغليظ هو ما يكون لأهل الغفلة والكبائر ، والخفيف يكون لكل الخلق من نبى وولى ، لقوله عليه السلام : ((إنه ليغان على قلبى وإنى لأستغفر الله فى كل يوم مائة مرة)) ، فيلزم للغين الغليظ : التوبة بشروطها ، وللخفيف : الرجوع الصادق إلى الحق .
67) التوبة : هى الرجوع عن المعصية إلى الطاعة ، وعن النفس إلى الحق . فهم يتوبون عن الجرم ، وجرم العباد مخالفة الأمر ، وجرم الأحبة مخالفة الإرادة ، وجرم العباد : المعصية ، وجرم الأحبة : رؤية وجودهم . ويقال لمن يرجع عن الخطأ إلى الصواب : تائب ، ولمن يرجع عن الصواب إلى الصواب : آيب . وقد ذكرت هذا كله فى باب التوبة ، والله أعلم .
68) التلبيس : يسمون إظهار الشىء للخلق على خلاف حقيقته تلبيسا ، لقوله تعالى : {وللبسنا عليهم ما يلبسون }([28]) .
69) الشرب : هذه الطائفة يسمون حلاوة الطاعة ولذة الكرامة وراحة الأنس شربا . ولا يستطيع أحد أبدا عَمَلَ عَمَلٍ بلا شرب ، وكما أن شرب الجسد من الماء ، فشرب القلب من الراحات ، وحلاوة الطاعة . وكان شيخى رضى الله عنه يقول : يجب أن يكون المريد والعارف غريبين عن شرب الإرادة والمعرفة . ويقول قائل : يجب أن يكون للمريد شرب من عمله ، حتى يؤدى حق الطلب فى الإرادة ، ولا يلزم أن يكون للعارف شرب ، حتى لا يأنس بغير الحق إلى الشرب والراحات التى ترجع إلى النفس .
70) الذوق : الذوق مثل الشرب ، ولكن الشرب لا يستعمل إلا فى الراحات ، والذوق يحسن للمشقة والراحات ، كأن يقول قائل : ذقت الخلاف ، وذقت البلاء ، وذقت الراحة ، فكل هذا يصح . ويقال أيضا للشراب : شربت بكأس الوصل ، وبكأس الود ، وأمثال هذا كثير ، قوله تعالى : { كلوا واشروبوا هنيئا }([29]) . وحين ذكر الذوق قال : {ذق إنك أنت العزيز الكريم }([30]) . وفى موضع آخر قال : { ذوقوا مس سقر }([31]) .
هذه هى أحكام حدود ألفاظهم المتداولة التى ذكرتها ، وإذا أثبتها كلها يطول الكتاب ، والله أعلم بالصواب .
انتهى كلام الهوجيرى .
([1]) الهجويرى ، أبو الحسن على بن عثمان الغزنوى (ت 465 هـ) : كشف المحجوب ، دراسة وترجمة عن الفارسية وتعليق الدكتورة إسعاد عبد الهادى قنديل ، راجع الترجمة : الدكتور أمين عبد المجيد بدوى . القاهرة : المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ، لجنة التعريف بالإسلام ، الكتاب التسعون ، 1415 هـ / 1994 م ، 2 مج .
([2]) للهوجيرى ترتيب خاص فى كلامه ، ولهذا رأينا ترك تقسيمه وترتيبه على ما هو عليه ، استثناء مما وعدنا به من ترتيب المصطلحات هجائيا ، حيث سيؤدى هذا إلى اختلال كلام الهوجيرى .
([3]) سورة الأنعام ، آية 76 .
([4]) سورة الصافات ، آية 164 .
([5]) سورة المائدة ، آية 3 .
([6]) سورة طه ، آية 12 .
([7]) سورة الأعراف ، آية 143 .
([8]) سورة الأنعام ، آية 79 .
([9]) سور البقرة ، آية 245 .
([10]) سورة فاطر ، آية 32 .
([11]) سورة البقرة ، أية 222 .
([12]) سورة آل عمران ، آية 43 .
([13]) سورة البقرة آية 186 .
([14]) سورة الحجر ، آية 42 .
([15]) سورة إبراهيم ، آية 31 .
([16]) سورة الزخرف ، آية 68 .
([17]) سورة الشورى ، آية 19 .
([18]) سورة الأنعام ، آية 18 .
([19]) سورة الأعراف ، آية 143 .
([20]) سورة الأعراف آية 143 .
([21]) سورة الإسراء ، آية 1 .
([22]) سورة الأعراف آية 143 .
([23]) سورة العنكبوت ، آية 69 .
([24]) سورة الحج ، آية 6 .
([25]) سورة الحجرات ، آية 3 .
([26]) سورة فاطر ، آية 32 .
([27]) المطففين ، آية 14 .
([28]) سورة الأنعام ، آية 9 .
([29]) سورة المرسلات ، آية 43 .
([30]) سورة الدخان ، آية 49 .
([31]) سورة القمر ، آية 48 .

ليست هناك تعليقات: